يحلل إسحاق تشوتينر كيف تنظر بكين إلى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، كاشفًا عبر حوار مع الخبير جوناثان تسين عن مزيج معقد من الحذر والاستفادة. يوضح النقاش أن الصين لا ترى نفسها طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تقرأه كجزء من نمط أوسع في السياسة الأمريكية، حيث تتكرر التدخلات العسكرية عبر الإدارات المختلفة. وبينما ينشغل العالم بتداعيات الحرب، تركز بكين على حماية مصالحها وتوسيع هامش حركتها بهدوء محسوب.
في هذا السياق، ينشر موقع ذا نيو يوركر الحوار الذي يسلط الضوء على كيفية قراءة الصين لهذا الصراع، مع إبراز أن بكين لا تتعامل مع الحرب كحدث استثنائي، بل كحلقة جديدة في سلسلة ممتدة من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.
كيف ترى بكين الحرب في إيران
ترفض الصين تفسير الحرب باعتبارها موجهة ضدها بشكل مباشر، رغم وجود رأي داخل بعض الدوائر الأمريكية يرى العكس. تشير التقديرات إلى أن القيادة الصينية، بقيادة شي جين بينج، اعتادت هذا النمط من السلوك الأمريكي، حيث سبق أن واجهت مواقف مشابهة منذ لقاءاته الأولى مع دونالد ترامب. لذلك، لا تفاجئها التصعيدات العسكرية، بل تندرج ضمن توقعاتها الأساسية لطبيعة السياسة الأمريكية.
في الوقت نفسه، لا تبدو الصين سعيدة بالحرب رغم وجود مكاسب محتملة. تستفيد بكين من انشغال واشنطن وتخفيف حضورها العسكري في آسيا، لكنها تفضل تجنب الفوضى التي قد تهدد استقرار الأسواق العالمية. تتعامل الصين مع الوضع كفرصة يجب إدارتها، لا كأزمة يجب الاحتفال بها.
الطاقة والمصالح: توازن صيني دقيق
تعزز الصين قدرتها على الصمود أمام اضطرابات الطاقة بفضل تنوع مصادرها واستثماراتها الكبيرة في الطاقة الخضراء. ورغم اعتمادها الجزئي على نفط الشرق الأوسط، فإنها تمتلك بدائل داخلية مثل الفحم، ما يمنحها مرونة أكبر مقارنة بأوروبا.
تكشف الحرب أيضًا عن مفارقة لافتة، حيث تظهر كل من الولايات المتحدة والصين كأكثر الدول قدرة على تحمل تداعياتها الاقتصادية. استفادت واشنطن من ثورة الطاقة المحلية، بينما ركزت بكين منذ سنوات على بناء اقتصاد صامت قادر على مواجهة الأزمات.
أما على مستوى العلاقات الإقليمية، فتبدو علاقة الصين بإيران أقل عمقًا مما يُشاع. تحتفظ بكين بعلاقات أقوى مع دول الخليج مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والتكنولوجية بشكل أوسع. يعكس هذا التوازن رغبة الصين في عدم الانحياز الكامل لأي طرف، بل الحفاظ على شبكة مصالح متعددة.
دروس الحرب وتأثيرها على تايوان
تراقب الصين الحرب بعين استراتيجية، خاصة فيما يتعلق بتايوان. تكشف الصراعات الأخيرة، سواء في إيران أو أوكرانيا، عن صعوبة الحروب الحديثة حتى بالنسبة للقوى الكبرى. يخلق هذا الواقع تأثيرًا مزدوجًا على بكين، إذ يردعها من المغامرة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يدفعها إلى تطوير قدراتها العسكرية بشكل أكبر.
تدفع هذه التجارب الجيش الصيني إلى إعادة التفكير في استراتيجياته، من خلال دراسة التكتيكات الأمريكية وفهم نقاط القوة والضعف. يشبه الأمر عودة إلى “صالة التدريب”، حيث تستعد الصين لمواجهة سيناريوهات مستقبلية أكثر تعقيدًا.
ورغم الخطاب الرسمي حول السيادة وعدم التدخل، تكشف الممارسة أن الصين تتصرف ببراغماتية واضحة. تتحرك عندما تخدم مصالحها، وتتراجع عندما ترتفع المخاطر. لا تنطلق من أيديولوجيا بقدر ما تنطلق من حسابات دقيقة للمكسب والخسارة.
في النهاية، لا ترى بكين الشرق الأوسط مركزًا للصراع العالمي كما كان في السابق، بل مجرد ساحة مهمة ضمن شبكة أوسع من المصالح. تركز الصين على هدفها الأكبر: الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز نفوذها العالمي دون الانجرار إلى صراعات مباشرة.
بهذا المعنى، لا تعني الحرب بالنسبة للصين مجرد أزمة عابرة، بل فرصة لإعادة التموضع بهدوء، حيث تراقب، تتعلم، وتنتظر اللحظة المناسبة للتحرك.
https://www.newyorker.com/news/q-and-a/how-beijing-views-the-war-in-iran

